الشيخ محمد عبده

65

رسالة التوحيد

الخبر عنه ، ومن الحدود والأحكام التي علم الخير لعباده في الوقوف عندها ، وأن هذه الكتب التي أنزلت عليهم حق ، وأن يؤمن بأنهم مؤيدون من العناية الإلهية بما لا يعهد للعقول ولا للاستطاعة البشرية ، وأن هذا الأمر الفائق لمعروف البشر هو المعجزة الدالة على صدق النبي في دعواه ، فمتى ادعى الرسول النبوة واستدل عليها بالمعجزة وجب التصديق برسالته . ومن لوازم ذلك بالضرورة وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم ، وصحة عقولهم ، وصدقهم في أقوالهم ، وأمانتهم في تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه ، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية ، وسلامة أبدانهم مما تنبو عنه الأبصار ، وتنفر منه الأذواق السليمة ، وأنهم منزهون عما يضاد شيئا من هذه الصفات المتقدمة ، وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهي بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية . أما فيما عدا ذلك فهم بشر يعتريهم ما يعترى سائر أفراده : يأكلون ويشربون وينامون ، ويسهون وينسون فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام ، ويمرضون ، وتمتد إليهم أيدي الظلمة ، وينالهم الاضطهاد ، وقد يقتل الأنبياء . المعجزة ليست من نوع من المستحيل عقلا ، فإن مخالفة السير الطبيعي المعروف في الإيجاد مما لم يقم دليل على استحالته ، بل ذلك مما يقع كما يشاهد في حال المريض يمتنع عن الأكل مدة لو لم يأكل فيها وهو صحيح لمات مع وجود العلة التي تزيد الضعف ، وتساعد الجوع في الإتلاف . فإن قيل : إن ذلك لا بدّ أن يكون تابعا لناموس آخر طبيعي ، قلنا : إن واضع الناموس هو موجد الكائنات ، فليس من المحال عليه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات ، غاية ما في الأمر أننا لا نعرفها ولكننا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضل من عنده . على أننا بعد الاعتقاد بأن صانع الكون قادر مختار يسهل علينا العلم بأنه لا يمتنع عليه أن يحدث الحادث على أي هيئة وتابعا لأي سبب إذا سبق في علمه أنه يحدثه كذلك . المعجزة لا بدّ أن تكون مقرونة بالتحدى عند دعوى النبوة ، وظهورها من البراهين المثبتة لنبوة من ظهرت على يده ؛ لأن النبي يستند إليها في دعواه أنه رسالة التوحيد -